الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
267
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بأبصارهم في الآخرة إلّا إتيان أمر اللّه والملائكة ، لأن الواقع أن الأبصار تنظر غير ذلك ، إلّا أن يراد أن رؤيتهم غير ذلك كالعدم لشدة هول إتيان أمر اللّه ، فيكون قصرا ادعائيا ، أو تسلب أبصارهم من النظر لغير ذلك . وهذا المركب ليس مستعملا فيما وضع له من الإنكار بل مستعملا إما في التهديد والوعيد وهو الظاهر الجاري على غالب الوجوه المتقدمة في الضمير ، وإما في الوعد إن كان الضمير لمن يشري نفسه ، وإما في القدر المشترك وهو العدة بظهور الجزاء إن كان الضمير راجعا للفريقين ، وإما في التهكم إن كان المقصود من الضمير المنافقين اليهود أو المشركين ، فأما اليهود فإنهم كانوا يقولون لموسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] . ويجوز على هذا أن يكون خبرا عن اليهود : أي إنهم لا يؤمنون ويدخلون في السلم حتى يروا اللّه تعالى في ظلل من الغمام على نحو قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [ البقرة : 145 ] . وأما المشركون فإنهم قد حكى اللّه عنهم : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [ الإسراء : 90 ، 92 ] ، وسيجيء القول مشبعا في موقع هذا التركيب ومعناه عند الكلام على قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ في سورة البقرة . و ( الظلل ) بضم ففتح اسم جمع ظلة ، والظلة تطلق على معان والذي تلخص لي من حقيقتها في اللغة أنها اسم لشبه صفّة مرتفعة في الهواء تتصل بجدار أو ترتكز على أعمدة يجلس تحتها لتوقي شعاع الشمس ، فهي مشتقة من اسم الظّل جعلت على وزن فعلة بمعنى مفعولة أو مفعول بها مثل القبضة بضم القاف لما يقبض باليد . والغرفة بضم الغين لما يغترف باليد كقوله تعالى : إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [ البقرة : 249 ] في قراءة بعض العشرة بضم الغين . وهي هنا مستعارة أو مشبه بها تشبيها بليغا : السحابات العظيمة التي تشبه كل سحابة منها ظلة القصر . و مِنَ الْغَمامِ بيان للمشبه وهو قرينة الاستعارة ونظيره قوله تعالى : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] . والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه وأسند الإتيان